الفصل الخامس

كمال الصفات الربانية

ذكرنا في الفصل السابق حقيقة جوهرية غابت عن محمد هي حقيقة القداسة المطلقة للذات الإلهية,, وهنا نجد لزاماً علينا أن نتحدث عن حقيقة أخرى هي حقيقة كمال الصفات الربانية,

ومعنى كمال الصفات الربانية، أن الله كامل في ذاته وصفاته,, فهو جل جلاله,, الرحمن الرحيم,, هو العدل القدوس,, هو الغفار الحسيب,

ولا يمكن أن تزيد أو تنقص صفة من صفاته عن الأخرى, فكما أن الله تبارك اسمه هو الرحيم,, هو كذلك العدل, وكما أنه الغفار فهو أيضاً الحسيب,, وصفاته كلها متساوية لا زيادة فيها ولا نقصان,

ولأن الله كامل في ذاته وصفاته لذلك تتصف كل أعماله بالكمال، لذا يهتف له من سيذهبون إلى السماء قائلين :

عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الْإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ. مَنْ لَا يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ، لِأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لِأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ * رؤيا يوحنا 15 :3 و4 ,

وهنا نقرر بكل هيبة وإجلال وخشوع أن هناك أموراً لا يقدر الله - وهو القادر على كل شيء - أن يفعلها، لأنها تتعارض مع كمال ذاته وصفاته,

فالله جل اسمه لا يقدر أن يكذب,, لأنه الحق ,

وهو غير مُجرَّب بالشرور,, لأنه القدوس ,

وهو لا يخلف وعده لأنه الأمين الصادق ,

وهو لا يقدر تعالت قدرته أن يغفر خطية الخاطئ وسيئاته بغير حساب لأنه العدل ولأنه الحسيب ,

وأي تصور لله العادل الحسيب، بأنه يغفر لمن يشاء بغير حساب هو إعلان صريح عن الجهل بالمعرفة الصحيحة لكمال الصفات الربانية,

يقول القرآن :

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ * سورة الزلزلة 99 :7 و8 ,

فإذا كان الله العادل سيحاسب الفرد على مثقال ذرة من الشر,, فكم بالحري سيكون حسابه على كبائر الخطايا والمعاصي والآثام؟

هنا يبرز أكثر من سؤال : كيف يتبرر الإنسان عند الله؟ وكيف يغفر الله للإنسان المذنب خطاياه، مع احتفاظه تبارك اسمه بكمال صفاته,, كمال رحمته وكمال عدله؟

كان لا بد من خطة لتلاقي رحمة الله بعدالة الله,,

خطة تتفق تماماً مع كمال صفات الله,,

خطة تعلن عن عمق وعلو حكمة الله,,

وكانت خطة الله أن يموت المسيح على الصليب، لأن حكمه الإلهي ضد الخطية هو الموت :

لِأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ * رومية 6 :23 ,

اَلنَّفْسُ التِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ * حزقيال 18 :4 ,

ولو كان المسيح مجرد إنسان، خلقه الله من تراب ثم قال له كن فكان، ما استطاع بموته على الصليب أن يكفر عن خطية الإنسان,, ويفدي الإنسان,

لكن المسيح واحد مع الله,, هو ابن الله,, وهو الله الابن, هو خالق السموات والأرض وخالق الإنسان,, وهو بهذا أكثر قيمة من الإنسان,, سواء كان فرداً أو كانت البشرية بأجمعها من آدم إلى يوم المنتهى, فموته على الصليب يكفر عن خطايا الناس أجمعين، لأنه يزيد في القيمة عن الناس أجمعين,

كمال الصفات الربانية تحتم موت المسيح على الصليب, ففي صليب المسيح تلاقت الرحمة مع العدل,, وظهرت حكمة الله الفائقة العقل,,

الرَّحْمَةُ وَالحَقُّ الْتَقَيَا. الْبِرُّ وَالسَّلَامُ تَلَاثَمَا. الْحَقُّ مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُتُ، وَالبِرُّ مِنَ السَّمَاءِ يَطَّلِعُ * مزمور 85 :10 و11 ,

غابت عن محمد الحقيقة الصحيحة عن كمال الصفات الربانية، فدخل مع المسيحيين في صراع رهيب,, واتهمهم بالكفر والشرك,, وأنكر وحدانية الله الجامعة,

ويخطئ من يعتقد أو يظن أن موت المسيح مصلوباً، كان مفاجأة للمسيح,, أو نتيجة لصراخ الغوغاء الذين طالبوا بيلاطس الوالي الروماني أن يصلبه,,

ويخطئ من يسأل : إذا كان المسيح هو الله المتجسد في صورة إنسان فعلاً وحقاً فلماذا لم ينزل عن الصليب؟ ولماذا لم ينقذ نفسه من هذا العذاب الرهيب ليظهر قدرته؟

ذلك لأن الصليب كان من الأزل خطة الله لخلاص الإنسان ونجاته من نار جهنم,, وقد وضع الله تبارك اسمه هذه الخطة بحكمته قبل إنشاء العالم، وقبل خلقه الإنسان، وقبل سقوط الإنسان,

مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الْأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ * أعمال 15 :18 ,

لقد وُلد المسيح من عذراء ليُصلب,, ليدفع أجرة خطايا البشرية,, ولذلك لم ينزل عن الصليب,

وعن هذا قال بطرس الرسول :

عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لَا بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ التِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الْآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلَا عَيْبٍ وَلَا دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفاً سَابِقاً قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ * 1 بطرس 1 :18-20 ,

وقال أيضاً لليهود الذين اجتمعوا حوله يوم الخمسين، وهو يتحدث عن المسيح وحقيقة صلبه وموته وقيامته :

يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ,,, هذا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللّهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللّهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ * أعمال 2 :22-24 ,

في موت المسيح على الصليب

ظهر بر الله

وظهرت حكمة الله وقوة الله

وظهرت محبة الله

أو في عبارة واحدة ظهر كمال صفات الله ,

في الصليب ظهر بر الله

وهذا ما قاله بولس الرسول بالوحي الإلهي :

وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللّهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُوداً لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ اللّهِ بِالْإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الذِينَ يُؤْمِنُونَ. لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللّهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللّهُ كَفَّارَةً بِالْإِيمَانِ بِدَمِهِ، لِإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللّهِ. لِإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارّاً وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِيَسُوع * رومية 3 :21-26 ,

في كفارة المسيح التي أتمها بموته على الصليب، أظهر الله بصورة لا تدع مجالاً للشك أنه البار و المبرر في آن معاً,,

أظهر أنه البار لأنه نفَّذ عقابه الإلهي الذي نطق به ضد خطية الإنسان,, يوم قال لآدم لِأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ * تكوين 2 :17 وكان معنى هذا النطق الإلهي أَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ * رومية 6 :23 ,

في الصليب ظهرت حكمة الله وقوة الله

هذا ما قاله بولس الرسول بالروح القدس :

وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوباً : لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُـّوِينَ : يَهُوداً وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللّهِ وَحِكْمَةِ اللّهِ * 1 كو 1 :23 و24 ,

لقد ظهرت حكمة الله في التقاء عدله برحمته في صليب المسيح، وبهذا أظهر الله كمال صفاته,, كما ظهرت حكمته تبارك اسمه في إظهار مدى فظاعة وبشاعة خطية الإنسان,, لقد ظهرت خطية الإنسان في سوادها الشديد حين طالب الناس الذين حضروا محاكمة المسيح أمام بيلاطس الحاكم الروماني بان يصلب المسيح البار، ويطلق سراح بارباس اللص,, القاتل,, السفاح,, الشرير,

أما قوة الله فقد ظهرت في المسيح إذ أقام المسيح من الأموات,, ولأن المسيح قام وارتفع إلى السماء وهو حي إلى أبد الآبدين، لذلك صنع الرسل باسمه المعجزات,, وما زال اسمه يجري العجائب، ويُخلِّص من يؤمن به مخلّصاً ورباً خلاصاً أبدياً من عذاب جهنم,

في الصليب ظهرت محبة الله

في الخليقة رأى الإنسان قدرة الله,, وعظمة الله,,

اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللّهِ، وَالفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ * مزمور 19 :1 ,

لكن الإنسان احتاج أن يرى ويلمس محبة قلب الله, وفي الصليب أظهر الله حبه الفائق العقل للإنسان,,,

وَلكِنَّ اللّهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لِأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا * رومية 5 :8 ,

فِي هذا هِيَ الْمَحَبَّةُ : لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللّهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا * 1 يوحنا 4 :10 ,

لو كان المسيح مجرد إنسان لما كان موته إظهاراً لمحبة الله,,,

لو كان المسيح مخلوقاً مثله مثل آدم خلقه الله من تراب فأين كنا نرى محبة الله؟!

لو كان المسيح مجرد مخلوق,, لكان صلبه مأساة إلهية بل مسرحية تثير السخرية,, لأن الله لم يبذل شيئاً في هذه المسرحية,,

خلق آدم فأخطأ,

فخلق المسيح ليفديه,

هو الخالق للإثنين,, فهو لم يتكلف سوى أن خلق آدم,, وخلق المسيح,

لكن المسيح هو ابن الله,, هو الله ظاهراً في الجسد, وكان موته إظهاراً للمحبة العظمى التي في قلب الله, ومحمد لا يؤمن بأن الله محبة - واسم المحبة باعتباره من أسماء الله لم يذكر بين أسماء الله الحسنى في القرآن,

ومن هنا أنكر القرآن حقيقة صلب المسيح,, لأن صلب المسيح مرتبط كل الارتباط بوحدانية الله الجامعة,,

لذلك قال القرآن :

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * سورة النساء 4 :157 و158 ,

وإنكار القرآن لحقيقة صلب المسيح يعتبر أمام العقل المفكر والذهن المستنير أمراً غريباً,,

إذ يقرر القرآن أن اليهود ما قتلوا المسيح وما صلبوه، ويقول محمد فريد وجدي ولكن ألقي شبهه على أحد القتلة المحكوم عليهم بالقتل * المصحف المفسر صفحة 130 ,

ويقول مفسرون مسلمون آخرون أن الله ألقى شبه المسيح على يهوذا الإسخريوطي تلميذه الذي أسلمه,, وقول القرآن وتفسير علماء المسلمين يصور لنا الله المنزه عن الكذب والغش والخداع وقد قام بأكبر خدعة في التاريخ إذ ألقى شبه المسيح على يهوذا أو غيره,, وغيَّر صوت ذلك البديل إلى نفس نغمات صوت المسيح,, وهكذا - في رأيهم - صلب يهوذا أو غيره بدل المسيح,,

والادعاء بأن الله غير شكل أحد القتلة، أو شكل يهوذا إلى شبه المسيح ادعاء باطل,, ذلك أن هناك أدلة قانونية دامغة تؤكد تأكيداً قاطعاً أن الذي صُلب على الصليب كان هو يسوع المسيح الذي يسميه القرآن عيسى ابن مريم ,

الدليل الأول : نبوات العهد القديم التي تتحدث عن صلبه ودفنه وقيامته :

تنبأ داود النبي عن موت المسيح مصلوباً بالكلمات :

لِأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلَابٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ * مزمور 22 :16 ,

لقد مات داود الملك والنبي مكرماً على سريره في قصره,, لكن هذه الكلمات التي نطق بها بالوحي الإلهي كانت نبوة صريحة عن موت المسيح مصلوباً، وهو الموت الذي يثقبون فيه اليدين والرجلين,

وتنبأ إشعياء النبي عن دفن المسيح في قبر رجل غني :

وَجُعِلَ مَعَ الْأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ * إشعياء 53 :9 ,

بحسب القانون الروماني كان ينبغي أن يُدفن المسيح في مقابر المجرمين، لكن يوسف الرجل الغني، والمشير العظيم وهو من الرامة, تَقَدَّمَ إِلَى بِيلَاطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلَاطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ. فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرَةِ، ثُمَّ دَحْرَجَ حَجَراً كَبِيراً عَلَى بَابِ الْقَبْرِ وَمَضَى * متى 27 :58-60 ,

وهكذا تمت نبوة إشعياء النبي حرفياً وبدقة مذهلة,

وتنبأ داود النبي عن قيامة المسيح فقال :

لِأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً * مزمور 16 :10 ,

وقد أكد بطرس الرسول في خطابه الذي ألقاه يوم الخمسين أن هذه الكلمات نبوة عن قيامة المسيح، إذ قال :

أَيُّهَا الرِّجَالُ الْإِخْوَةُ، يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَاراً عَنْ رَئِيسِ الْآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هذا الْيَوْمِ. فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً، وَعَلِمَ أَنَّ اللّهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلَا رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً. فَيَسُوعُ هذا أَقَامَهُ اللّهُ، وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذ لِكَ * أعمال 2 :29-32 ,

إن موت ودفن وقيامة المسيح كان إتماماً لنبوات سابقة,

الدليل الثاني : حديث المسيح إلى حوارييه عن موته وقيامته,

ذات يوم سأل المسيح تلاميذه :

أَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ : أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابنُ اللّهِ الْحَيِّ * متى 16 :15 و16 ,

وهنا بعد أن أعلن الله الآب لبطرس حقيقة المسيح, وبعد أن عرف التلاميذ عن طريق هذا الإعلان أن المسيح هو بالحقيقة ابن الله الحي، يتابع متى الرسول حديثه قائلاً :

مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ * متى 16 :21 ,

لم يكن موت الصليب مفاجأة للمسيح، لقد كان إتماماً لخطة الله الأزلية لفداء الإنسان, وقد قال لتلاميذه ساعة عشائه الأخير معهم :

إِنَّ ابنَ الْإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذ لِكَ الرَّجُلِ الذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابنُ الْإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذ لِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ! * مرقس 14 :21 ,

وحين طلب منه الكتبة والفريسيون أن يريهم آية :

فَقَالَ لَهُمْ : جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلَا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلَّا آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. لِأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ، هكَذَا يَكُونُ ابنُ الْإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَال * متى 12 :39 و40 * اقرأ أيضاً متى 20 :28 ,

كان الاسم الذي طالما استخدمه يسوع المسيح هو ابن الإنسان ,, فهو ممثل الإنسانية كلها,, رفيعها ووضيعها، الأغنياء فيها والفقراء، فجميعهم أخطأوا وأعوزهم مجد الله، وهو قد جاء ليفديهم بموته على الصليب,, وكان يعرف منذ الأزل أن هذا هوعمله العظيم,

الدليل الثالث : الكلمات السبع التي نطق بها المسيح وهو على الصليب,

لو أن الله ألقى شبه المسيح على أحد القتلة، أو على الحواري يهوذا الاسخريوطي، فهل يصدق عاقل أن ذلك القاتل، أو أن يهوذا التلميذ الخائن يمكن أن ينطق بالكلمات السبع التي نطق بها المسيح وهو على الصليب؟

لا يمكن لخيال مهما جمح أن يضع الكلمات السبع التي نطق بها المسيح المصلوب على شفتي أي شخص آخر سواه,

كانت الكلمة الأولى التي نطق بها المسيح المصلوب يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون * لوقا 23 :34 ,

إن ذاك الذي علّمنا الغفران للمسيئين، مارس هذا الغفران، وصلى لأجل الذين صلبوه * متى 5 :44 , ولا يصدق إنسان منحه الله ذرة من عقل أن ينطق بهذه الصلاة إنسان قاتل ألقى عليه الله شبه المسيح,

لم يعرف اليهود حقيقة المسيح فطالبوا الوالي الروماني بصلبه لِأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ * 1 كورنثوس 2 :8 ,

وطلب المسيح من الآب أن يغفر لهم، فعلاقة المسيح بالآب هي علاقة الابن بأبيه، لذلك خاطبه بالقول يا أبتاه ,, وكانت كلمته الأولى هي كلمة الغفران ,

كانت الكلمة الثانية التي نطق بها المسيح المصلوب هي التي خاطب بها اللص المصلوب إلى جواره إذ قال له الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ : إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ * لوقا 23 :43 ,

اعترف اللص الذي صُلب مع المسيح بلاهوت المسيح فقال ليسوع ا ذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ * لوقا 23 :42 وأجابه يسوع إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ * لوقا 23 :43 ,

فهل يصدق عاقل أن إنساناً قاتلاً، أو أن يهوذا التلميذ الخائن ينطق بهذا الوعد الإلهي؟

إن نطق يسوع المسيح بهذا الوعد الإلهي لذلك اللص الذي تاب في آخر لحظات حياته واعترف بلاهوته وهو على الصليب إلى جواره تؤكد بيقين أن الذي صُلب على الصليب كان يسوع المسيح ولا آخر سواه,, وكانت كلماته لذلك اللص هي كلمة الخلاص الأبدي ,

كانت الكلمة الثالثة التي نطق بها المسيح المصلوب هي التي وجهها إلى أمه مريم وإلى تلميذه يوحنا,

وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً، قَالَ لِأُمِّهِ : يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابنُكِ . ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ : هُوَذَا أُمُّكَ * يوحنا 19 :25-27 ,

لو كان المصلوب على الصليب شخصاً آخر غير يسوع المسيح، فكيف ينادي مريم قائلاً لها يا امرأة هوذا ابنك ؟ وكيف عرف يوحنا التلميذ الذي كان يسوع يحبه واستودعها له؟

كيف يهتم شخص قاتل بمريم أم يسوع ويستودعها ليوحنا تلميذه الحبيب؟

إن مجرد وجود مريم أم يسوع عند صليب ابنها ، فيه الدليل الدامغ على أن المصلوب كان هو بالحق واليقين يسوع المسيح,, ذلك لأن قلب الأم فيه شفافية حساسة، سيما إذا كان قلب هذه الأم التي باركها الله وأصطفاها فوق نساء العالمين,, ولو أن الذي صلب كان شخصاً آخر غير ابنها يسوع لتركت المشهد ومضت,, بل لأخبرت بقية تلاميذه أن المصلوب ليس هو ابنها يسوع,, وقوف مريم عند الصليب يؤكد أن الذي صُلب كان هو يسوع المسيح,, وكانت كلمته الثالثة هي كلمة الحنان ,

كانت الكلمة الرابعة التي نطق بها المسيح المصلوب إِلهِي إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ * متى 27 :46 ,

كانت كلمة المسيح الرابعة صرخة وجهها إلى الله باعتباره ابن الإنسان الذي أخذ صورة الإنسان ليفدي الإنسان, هو الآن في مركز العبد كما قال بولس الرسول :

ا لْمَسِيحِ يَسُوعَ,,, الذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللّهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلّهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ * فيلبي 2 :5-8 ,

وباعتباره الآن العبد الذي يحتمل عقاب الخطية عن الخطاة ينادي الآب إلهي إلهي لماذا تركتني وكانت صرخته إلى الله إعلاناً منه بأنه الفادي الذي تنبأ عنه داود في المزمور الثاني والعشرين,, ذلك المزمور الذي ذكر نبوات تمت حرفياً يوم صلبه,

قد تنبأ داود في هذا المزمور عن موت المسيح مصلوباً كما ذكرنا فيما سبق ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ * مزمور 22 :16 , وتنبأ عن اقتسام ثيابه وإلقاء قرعة على ردائه، يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ * مزمور 22 :18 ,

وذكر يوحنا الرسول إتمام هذه النبوة بدقة في كلماته :

ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ، أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْماً. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضاً. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجاً كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : لَا نَشُقُّهُ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ . لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ : اقْتَسَمُواثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً . هذا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ * يوحنا 19 :23 و24 ,

لقد كان يسوع يعلم تماماً سبب ترك الآب له,

لِأَنَّهُ جَعَلَ الذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللّهِ فِيهِ * 2كورنثوس 5 :21 ,

كان يسوع يعرف أنه الذبح العظيم الذي جاء لفداء الإنسان، وأن الله تركه، لأن هذا الترك هو رمز الانفصال الأبدي الذي سيكون من نصيب كل الذين يرفضون فداءه,, فجهنم هي مكان الانفصال الأبدي عن الله,, وأراد المسيح أن يعلن بصرخته عن حقيقة شخصه، وعن سبب صلبه وموته، وأنه هو بذاته الذي تنبأ عنه داود النبي في مزموره, لقد تركه الله لأنه صار خطية لأجلنا ,,

ولا يقبل العقل بأن شخصاً قاتلاً ألقى الله عليه شبه المسيح ينطق بهذه الكلمات, كانت كلمته الرابعة هي الصرخة التي عبّرت عن شدة العذاب الذي اجتازه,

كانت الكلمة الخامسة التي نطق بها المسيح المصلوب أَنَا عَطْشَانُ * يوحنا 19 :28 ,

وقد نطق يسوع المسيح بهذه الكلمة إتماماً لنبوة داود النبي ,,, وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاًّ * مزمور 69 :21 , وقد سجل يوحنا الرسول إتمام هذه النبوة بكلماته بَعْدَ هذا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ : أَنَا عَطْشَانُ . وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعاً مَمْلُوّاً خَلاًّ، فَمَلَأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ : قَدْ أُكْمِلَ . وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ * يوحنا 19 :28-30 ,

لم يكن قاتلاً ذاك الذي صلبه الرومان على الصليب، كان المصلوب هو يسوع المسيح الذي تمت فيه نبوات الأنبياء, وكانت كلمته الخامسة تعبيراً عن مدى آلامه,, إذ سفك دمه وسال من جسده الكريم حتى عطش,

كانت الكلمة السادسة التي نطق بها المسيح المصلوب قَدْ أُكْمِلَ * يوحنا 19 :30 ,

وهي الكلمة اليونانية تلستي ومعناها إكمال كل شيء,,

إن كلمة قد أكمل تعلن أن المسيح يسوع عيسى ابن مريم أكمل جميع نبوات الأنبياء في شخصه,,

كذلك تعلن كلمة قد أكمل أنه قد أكمل بموته جميع ذبائح وقرابين العهد القديم,,

فهو ذبيحة المحرقة * لاويين 1

وهو قربان الدقيق * لاويين 2 ,

وهو ذبيحة السلامة * لاويين 3 ,

وهو ذبيحة الخطية * لاويين 4 ,

وهو ذبيحة الإثم * لاويين 5 ,,

هو في عبارة واحدة حَمَلُ اللّهِ الذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ * يوحنا 1 : 29 ,

كذلك تعلن كلمة قد أكمل إن عمل الفداء قد كمل، وإن كل ما على الإنسان الأثيم هو أن يقبل بالإيمان ما عمله المسيح لأجله ليخلص، فقد دفع يسوع أجرة خطاياه,

لِأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الْأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ * عبرانيين 10 :14 ,

والكلمة السادسة التي نطق بها المسيح المصلوب تؤكد بيقين لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه أن الذي صُلب على الصليب كان هو يسوع المسيح، وكانت كلمته السادسة كلمة الانتصار ,

كانت الكلمة السابعة التي نطق بها المسيح المصلوب يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي * لوقا 23 :46 ,

احتمل المسيح دينونة الله العادلة نيابة عن الخطاة، وأكمل عمله الفدائي، وبعد أن نطق بكلمته قد أكمل نسمعه يخاطب أباه كما بدأ بقول يا أبتاه , لم يعد هناك حجاب بينه وبين أبيه,, لقد أكمل عمله كعبد وهو الآن يعلن علاقته الأزلية بأبيه,, ونطقه بهذه الكلمة يا أبتاه ينفي نفياً باتاً وقاطعاً أن الذي صُلب على الصليب كان شخصاً آخر غيره,

الدليل الرابع : الذي يؤكد أن الذي صُلب على الصليب كان هو بالحق يسوع المسيح، هو ظواهر الطبيعة التي حدثت وقت صلبه وانشقاق حجاب الهيكل, لو أن الذي صُلب على الصليب كان قاتلاً ألقى الله عليه شبه المسيح,, فلماذا ثارت الطبيعة وأعلنت غضبها؟!؟,,

يسجل لوقا البشير ما حدث وقت صلب المسيح بالكلمات :

وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ * أي 12 ظهراً ، فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ، وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسَطِهِ * لوقا 23 :44 و45 ,

ويسجل مرقس البشير نفس الحادث بالكلمات :

وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ الْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هكَذَا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ، قَالَ : حَقّاً كَانَ هذا الْإِنْسَانُ ابنَ اللّهِ! * مرقس 15 :38 و39 ,

قائد المئة الروماني روّعته ظواهر الطبيعة، واعترف بأن ذاك المصلوب كان ابن الله,

الدليل الخامس : شهادة يوحنا الرسول الذي حضر مشهد الصلب,

شهد يوحنا الرسول الذي حضر مشهد الصلب من بدايته إلى نهايته أن الذي صُلب كان هو باليقين يسوع المسيح إذ قال :

فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الْأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبَيْنِ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. لكِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. وَالذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ. لِأَنَّ هذا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ : عَظْمٌ لَا يُكْسَرُ مِنْهُ . وَأَيْضاً يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ : سَيَنْظُرُونَ إِلَى الذِي طَعَنُوهُ * يوحنا 19 :32-37 ,

الدليل السادس : ظهورات المسيح بعد القيامة، وعلى الأخص ظهوره للحواري توما,

ويكفينا هنا أن نذكر ما قاله يوحنا الرسول، وما قاله بولس الرسول بغير تعليق,

قال يوحنا الرسول :

لَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذ لِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الْأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلَامِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ لَهُمْ : سَلَامٌ لَكُمْ . وَلَمَّا قَالَ هذا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلَامِيذُ إِذْ رَأَوُا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً : سَلَامٌ لَكُمْ. كَمَا أَرْسَلَنِي الْآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا . وَلَمَّا قَالَ هذا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ : اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ . أَمَّا تُومَا، أَحَدُ الا ثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ. فَقَالَ لَهُ التَّلَامِيذُ الْآخَرُونَ : قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ . فَقَالَ لَهُمْ : إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لَا أُومِنْ . وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلَامِيذُه

ُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ : سَلَامٌ لَكُمْ . ثُمَّ قَالَ لِتُومَا : هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً . أَجَابَ تُومَا : رَبِّي وَإِلهِي . قَالَ لَهُ يَسُوعُ : لِأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا * يوحنا 20 :19-29 ,

رأى التلاميذ يدي المسيح المصلوب وجنبه، وتيقنوا أنه هو بذاته الذي صُلب على الصليب,, وقام من الأموات, إن المسيح الذي صُلب قام حقاً ويقيناً من الأموات, والصليب بغير قيامة لا قيمة له لذلك فرح التلاميذ إذ رأوا الرب ,

كذلك رأى توما أثر المسامير في يدي المسيح، وأثر الطعنة في جنبه,, وهتف له قائلاً : رَبِّي وَإِلهِي * يوحنا 20 :28 ,

وقبل المسيح اعترافه لأنه الله,

وذكر بولس الرسول ظهورات المسيح بعد قيامته بالكلمات :

وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ بِا لْإِنْجِيلِ الذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضاً تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلَامٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلَّا إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثاً! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الْأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً : أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلِا ثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذ لِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الْآنَ. وَل كِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذ لِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا. لِأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الذِي لَسْتُ أَهْلاً لِأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لِأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللّهِ * 1 كورنثوس 15 :1-9 ,

نكرر القول بأن المسيح الذي صُلب قد قام من الأموات, وظهور المسيح بعد قيامته وصعوده إلى السماء لشاول الطرسوسي الذي صار فيما بعد بولس الرسول كان هو سر التغيير العجيب الذي حدث له,, وسر انتقاله من معسكر المُضْطَهِدِين لاتباع المسيح إلى معسكر المُضْطَهَدِين لأجل المسيح * 1 تيموثاوس 1 :12-16 و2 كورنثوس 11 :23-33 و2 كورنثوس 12 :10 ,

الدليل السابع : حلول الروح القدس يوم الخمسين ورضا رسل المسيح بالاضطهاد والألم والعذاب والاستشهاد في سبيله, ووجود الكنيسة المسيحيّة حتى اليوم,

قال المسيح قبل صلبه، وقيامته، وصعوده إلى السماء لتلاميذه :

ل كِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ، إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لَا يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَل كِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ.,, إِنَّ لِي أُمُوراً كَثِيرَةًأَيْضاً لِأَقُولَ لَكُمْ، وَل كِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الْآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ * يوحنا 16 :7 و12-14 ,

وقال لهم أيضاً :

وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّياً آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ الذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لِأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ * يوحنا 14 :16 و17 ,

وأوصاهم قبل ارتفاعه إلى السماء :

أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا مَوْعِدَ الْآبِ الذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، لِأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِا لْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هذهِ الْأَيَّامِ بِكَثِيرٍ * أعمال 1 :4 و5 ,

وعد المسيح تلاميذه بأنه بعد ارتفاعه إلى السماء سيرسل لهم الروح القدس,, والروح القدس الذي وعد المسيح بإرساله ليس هو محمد كما يقول علماء المسلمين أن المسيح وعد بإرسال الروح القدس,, فالمرسل ليس بشراً بل هو الروح القدس الذي قال عنه المسيح إنه روح الحق وإن العالم لا يراه فهو شخص غير مرئي,, وأنه سيُمجِّد المسيح ذاك يمجدني ، وسيُذكِّر التلاميذ بكل ما قاله لهم,, وبهذه القدرة الإلهية تذكر الرسل أقوال المسيح وسجلوها في بشائرهم,

وأخيراً قال المسيح لتلاميذه أن ينتظروا في أورشليم حتى يحل عليهم الروح القدس، وأن الروح سيحل عليهم بعد أيام قليلة,,,

وقد حل الروح القدس على التلاميذ بعد عشرة أيام من صعود المسيح إلى السماء وهم في أورشليم,, أما محمد فقد جاء بعد المسيح بأكثر من ستمائة سنة,, جاء في مكان بعيد جداً عن أورشليم,, جاء في مكة,, في الجزيرة العربية,

بعد أن حل الروح القدس على رسل المسيح وتلاميذه تحول خوفهم إلى شجاعة، وضعفهم إلى قوة، وخرجوا في شوارع أورشليم ينادون بالمسيح المصلوب المقام، وامتدت رسالتهم إلى أقصى الأرض وانتشرت المسيحيّة بغير سيف وبغير حروب,

أضف إلى هذا كله أن رسل المسيح، والذين آمنوا به بواسطة رسالتهم احتملوا الاضطهاد، والألم، والعذاب، والاستشهاد لأجل المسيح,

وتعال معي لتقرأ ما حدث للرسل في بداية تبشيرهم بالمسيح المصلوب,, وسجله سفر أعمال الرسل :

فلما سمع الكاهن وقائد جند الهيكل ورؤساء الكهنة هذه الأقوال ارتابوا من جهتهم ما عسى أن يصير هذا, ثم جاء واحد وأخبرهم قائلاً : هوذا الرجال الذين وضعتموهم في السجن هم في الهيكل واقفين يعلمون الشعب, حينئذ مضى قائد الجند مع الخدام فأحضرهم لا بعنف لأنهم كانوا يخافون الشعب لئلا يُرجموا, فلما أحضروهم أوقفوهم في المجمع, فسألهم رئيس الكهنة : أما أوصيناكم وصية أن لا تُعلِّموا بهذا الاسم, وها أنتم قد ملأتم أورشليم بتعليمكم وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان, فأجاب بطرس والرسل وقالوا ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس, إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة, هذا رفعه الله بيمينه رئيساً ومخلصاً ليعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا, ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضاً الذي أعطاه الله للذين يطيعونه,

فلما سمعوا حنقوا وجعلوا يتشاورون أن يقتلوهم, فقام في المجمع رجل فريسي اسمه غمالائيل معلم للناموس مكرم عند جميع الشعب وأمر أن يُخرج الرسل قليلاً, ثم قال لهم : أيها الرجال الإسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس في ما أنتم مزمعون أن تفعلوا, لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس قائلاً عن نفسه إنه شيء, الذي التصق به عدد من الرجال نحو أربعمائة, الذي قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء, بعد هذا قام يهوذا الجليلي في أيام الاكتتاب وأزاغ وراءه شعباً غفيراً فذاك أيضاً هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا, والآن أقول لكم تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم, لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض, وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه لئلا توجدوا محاربين لله أيضاً, فانقادوا إليه, ودعوا الرسل وجلدوهم وأوصوهم أن لا يتكلموا باسم يسوع ثم أطلقوهم,

وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه, وكانوا لا يزالون كل يوم في الهيكل وفي البيوت معلمين ومبشرين بيسوع المسيح * أعمال 5 :24-42 ,

مع هذا كله مات بطرس الرسول شهيداً مصلوباً ورأسه إلى أسفل على صليب,, كما قطع نيرون رأس بولس الرسول بالسيف,,,

وارتضى المسيحيون الأوائل أن يعيشوا في سراديب روما حباً للمسيح الذي مات لأجلهم وقام,

واستمر وجود الكنيسة المسيحيّة رغم ما تعرضت له من اضطهادات حتى اليوم,

إن أي محام تُقدم له هذه الأدلة القانونية الدامغة، ويفحصها بدقة وبغير تعصب أعمى لا بد له أن يهتف من الأعماق :

لقد صلبوا المسيح وقتلوه

والقرآن ذاته يؤكد موت المسيح إذ يقرر في سورة مريم :

وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * سورة مريم 19 :33 ,

فالنص القرآني يذكر يوم مولد المسيح، ويوم موته، ويوم قيامته,,,

وهناك نص آخر يؤكد ارتفاعه إلى السماء بعد قيامته :

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * سورة آل عمران 3 :55 ,

إن المدعين بأن الله ألقى شبه المسيح على شخص آخر ينسبون إلى الله الخداع,, وهو المنزه عن الخداع، ولا شك أنه سيصعب عليهم تماماً أن يجيبوا عن السؤال : كيف قام الله بهذه الخدعة الكبرى ثم سكت لمدة أكثر من ستمائة سنة، تاركاً الأجيال التي عاشت طوال هذه القرون تؤمن عن إخلاص بأن الذي مات على الصليب كان هو يسوع المسيح,, أما كان الأكثر منطقاً أن يبادر الله جلت قدرته فيرسل نبياً بعد الصلب مباشرة ينادي في الناس أن الذي مات لم يكن هو يسوع المسيح؟

إن ظهور محمد بعد أكثر من ستمائة سنة من صلب المسيح,, وهو لم يعش قط على أرض إسرائيل، ولم يعاصر حادث الصلب,, وإنكاره لحقيقة صلب المسيح، ومناداته ما صلبوه وما قتلوه أمر يرفضه كل من يستخدم العقل الذي وهبه الله له,,

إن المؤمن الأمين يرفض رفضاً قاطعاً أن يوصف الله القدوس بالخداع والغش,,, ويقبل الحجج القانونية الدامغة التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الذي صُلب على الصليب كان هو بذاته يسوع المسيح,

إنكار حقيقة صلب المسيح,, مرتبط بإنكار وحدانية الله الجامعة,, ومرتبط كذلك بالجهل التام بحقيقة كمال الصفات الربانية,

وقبل أن نختم هذا الفصل لا بد لنا أن نجيب على سؤال طالما ردده المسلمون، هو : إذا كان المسيح هو الله ظاهراً في الجسد، فهل مات الله عندما مات المسيح على الصليب؟ ومن كان يحكم العالم خلال الثلاثة الأيام التي قضاها المسيح في القبر؟

وجوابنا : إن روح الله روح,, والروح لا يُصلب ولا يموت,, لكن المسيح حين تجسد صار إنساناً كاملاً,, وفي ذات الوقت حلّ فيه كل ملء اللاهوت,, وكإنسان كامل أخذ المسيح روحاً ونفساً وجسداً، وكان بلاهوته مالئ السموات والأرض,

والذي مات على الصليب هو المسيح الإنسان، لأنه مات ليفدي الإنسان لِأَنَّ ابنَ الْإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ * لوقا 19 :10 , لِأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللّهِ وَالنَّاسِ : الْإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ * 1تيموثاوس 2 :5 ,

الذي مات على الصليب هو المسيح الإنسان,, وهذا هو سر التجسد العظيم الذي قال عنه بولس الرسول : بِالْإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى : اللّهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلَائِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الْأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ * 1 تيموثاوس 3 :16 ,

 

 

الصفحة الرئيسية

جميع الحقوق محفوظة

عاودوا الزيارة بعد فترة وسوف تجدون مواضيع هامة جداَ